أحمد ابراهيم الهواري

33

من تاريخ الطب الإسلامي

ولكنهم لم يكتفوا بذلك ، بل درسوا تلك المعارف ، ونقدوها نقدا علميا دقيقا ، وفرقوا بين أصولها وفروعها وغثها وسمينها ورتبوا استنتاجاتهم وبوبوها على خير وجه ، ووضعوها في متناول طالبى العلم في العالم أجمع . قد خلّص بقراط الطب من أجواء الهياكل والمعابد المشبعة بالأسرار والألغاز ، وحرره من قيود الكهنة ورجال الدين ، وأقامه على أسس العلوم الحيوية الصحيحة ، وأرجع المرض والحياة لقوانين طبية ثابتة ، وبرهن على أن الوصول إلى تلك القوانين الثابتة ممكن عن طريق دراسة الطبيعة دراسة دقيقة وافية ، كما بيّن الروابط التي تربط العلة بالمعلول . وقد جعل أساس كل بحوثه الطبية الدرس والتجربة بعد أن وازنهما بالنظر والاستدلال والمنطق واهتدى بهديهما ، ولأمم بين التجارب العملية والأمور النظرية ، وقد وفق في ذلك توفيقا عظيما . يعتقد بقراط أن الإنسان جزء من الطبيعة والكون ، وكما أن كل كائن حي في هذا الوجود مرتبط بالطبيعة طبقا لقواعد مقررة وقوانين ثابتة ، كذلك الإنسان فإنه خاضع لهذه القواعد والقوانين نفسها ؛ والموازنة بين العوامل الطبيعية هي الصحة والحياة ؛ وإن قوى الفرد كلها تهدف لإيجاد هذا التوازن والتعادل . وعندما يختل هذا التوازن لعلل خارجة ، تبادر جميع قوى الفرد لدفع هذه العوامل الخارجية والعلل الضارة وإيجاد التوازن المطلوب ، وإقراره ، وأن مهمة الطبيب مقصورة على خدمة طبيعة الفرد ومساعدتها في هذا المسعى الحيوي الذي تقوم به ، ولذلك كان يسمى الطبيب بخادم الطبيعة . وحيث إن تشريح الجثث الإنسانية كان غير مستطاع حينذاك ، وكان علم التشريح وعلم وظيفة الأعضاء ناقصين تبعا لذلك ، فإنّ المعارف التي كانت لدى بقراط عن الطب لم تكن كبيرة من حيث الكم ، فإن دائرة معارفه عن الأمراض كانت ضيقة لا يستطيع بها إيضاح تطورات المرض وتحولاته كما ينبغي ؛ غير أن معارفه كانت على مبلغ عظيم من الأهمية من حيث الكيف . لقد بنى بقراط طريقته على أساس علمي متين ، فقد فصل الطب عن الدين فصلا تاما وجعل حالة المريض نفسه أساسا لعلاجه . ويتضح من صيغة القسم المعروف بعهد بقراط ومن الرسائل الطبية التي ألفها ، أنه قد حدد بوضوح تام حقوق الطبيب ووظائفه وواجباته الأخلاقية والاجتماعية ، كما يتبين من ذلك كله أنه قد أضفى على هذه المهنة صورة خلقّية ، وجعل منها عملا إنسانيا وقياما بالواجب